عرف التفاحة في الجواب
عن قصة ابن رواحة
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال:
الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه ، وبعد ..
فقد سألني بعض أهل العلم عن قصة عبدالله بن رواحة مع زوجه لما أنشدها شعرا يوهمها أنه من كلام الله !! هل تصح أم لا ؟؟ .
القصة المسؤول عنها رويناها في ( سنن الدارقطني ) :
أنبأني العلامة الأديب عبدالقادر البخاري عن عبدالقادر المجددي عن فضل الرحمن عن الشاه عبدالعزيز عن أبيه الشاه ولي الله عن أبي طاهر الكوراني عن أبيه البرهان عن النجم الغزي عن أبيه البدر عن أبي الفتح السكندري عن عائشة بنت محمد عن الحجار عن القطيعي عن الشهرزوري عن ابن المهتدي عن الحافظ الدراقطني في سننه ( مع المغني 1/120 ) قال :
(( حدثنا محمد بن مخلد نا العباس بن محمد الدوري ، وحدثنا إبراهيم بن دبيس بن أحمد الحداد نا محمد بن سليمان الواسطي قالا : نا أبو نعيم نا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة قال :
كان ابن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته ، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها ، وفزعت امرأته ، فلم تجده في مضجعه ، فقامت وخرجت ، فرأته على جاريته ، فرجعت إلى البيت ، فأخذت الشفرة ثم خرجت ، وفرغ فقام فلقيها تحمل الشفرة ، فقال مهيم ؟! فقالت : مهيم !! ، لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة ، قال : وأين رأيتني ؟ قالت : رأيتك على الجارية ، فقال ما رأيتني ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب ، قالت : فاقرأ ، فقال :
أتانا رسول الله يتلوا كتابه = كما لاح مشهور من الفجر ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا = به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه = إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
فقالت آمنت بالله وكذبت بصري ، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم )) اهـ .
وهذه القصة المسؤول عنها ينبغي النظر فيها متنا وسندا ..
فالحافظ ابن حجر رحمه الله يرى أن هذه الرواية هنا في الصحيح مرتبطة بالقصة التي رواها الدارقطني بدليل أن الأبيات هي هي سوى اختلاف يسير ..
التفصيل:
لا بد أن نفرق أولا بين القصة وبين الأبيات الشعرية الواردة فيها ، أما القصة فإن الطرق الخمسة الضعيفة تكاد تتفق على أحداثها إلا في قليل منها ، فهل تصلح هذه الطرق لأن يشد بعضها بعضا فترتقي إلى الحسن لغيره أم لا ؟؟؟ هذا متوقف على وجود تعدد يُطمأن إليه ، قال الحافظ السخاوي في فتح المغيث عند كلامه على مبحث الحسن 1/72 :
(( .. وحيث ثبت اختلاف صنيع الأئمة في إطلاقه فلا يسوغ إطلاق القول بالاحتجاج به ، بل لابد من النظر في ذلك ، فما كان منه منطبقا على الحسن لذاته فهو حجة ، أو الحسن لغيره فيفصل بين ما تكثر طرقه فيحتج وما لا فلا )) اهـ كلام السخاوي .
فإذا كان كل طريق من طرق هذه القصة لا يرتقي إلى الحسن لذاته بل غاية ما يصل إليه هو الحسن لغيره فهل يمكننا عد هذه الطرق المتعاضدة كثيرة بحيث يحتج بها أم لا ؟؟ مسألة بحث ونظر ، والذي أميل إليه أن الحكم البات في المسألة ينبغي أن يؤخر إلى بحث مضمون المتن ومدى موافقته لقواعد الشريعة ، فالمتن والإسناد مرتبطان لا ينفصلان .
ما تقدم كان متعلقا بالقصة دون الأبيات الشعرية ، أما الأبيات الشعرية فالضعف فيها أشد والاضطراب فيها أكبر ، فإنك إذا نظرت إلى الطرق المذكورة وجدت الأبيات قد قيلت على ثلاثة أوجه متغايرة بحرا ورويا ومعنى !!! فالأبيات في الطريق الأول من بحر ( الطويل ) ورويها على حرف ( العين ) ، والأبيات في الطريق الثاني من بحر ( الطويل ) ورويها على حرف ( اللام ) ، والأبيات في الطريق الثالث والرابع والخامس من بحر ( الوافر ) ورويها على حرف ( النون ) !!! والمعاني مختلفة في الصور الثلاث !! وهذا اضطراب عجيب لا يمكن الاطمئنان معه إلى صحة هذه الأبيات .
فإن قيل : ألا يعضد الطرق الثالث والرابع والخامس بعضها بعضا من جهة اتحاد الأبيات فيها ؟؟ فالجواب : إن الطريق السادس صحيح لذاته وهو شاهد للطريق الأول !! فإن لم نرجح هذا الطريق لصحته لذاته واعتبرنا الطرق الأخرى وجب الاضطراب .
لكن لا يفوتني هنا أن أشير إلى بعض ما وجدته من أحكام على هذه القصة :
أولا ـ الحافظ ابن عبد البر قال في الاستيعاب عن هذه القصة : (( روينا من وجوه صحاح .. )) !! ومعنى قوله هذا أنه يصحح كل طريق من طرق هذه القصة !! فهذا إما تجوز منه وتوسع وإنما أراد أنها واردة من طرق متعددة يشد بعضها بعضا ، وإما خطأ منه لما مر من أنه لا يصح لهذه القصة طريق بمفرده .
ثانيا ـ وهناك احتمال ثالث رأيته للعلامة محمد زاهد الكوثري ، قال في تكملة النونية ما نصه ص143 :
(( وهذه قصة تذكر في كتب المحاضرات والمسامرات دون كتب الحديث المعتمدة ، ولم ترد في كتب أهل الحديث بسند متصل ولو من وجه واحد وأما ما وقع في الاستيعاب من قول ابن عبدالبر : رويناه من وجوه صحاح ، فسهو واضح من الناسخ ، وأصل الكلام : من وجوه غير صحاح ، فسقط لفظ ( غير ) فتتابعت النسخ على السهو إذ لم يجد أهل الاستقصاء سندا واحدا يحتج بمثله في هذه القصة بل كل ما عندهم في هذا الصدد أخبار منقطعة ، وما يكون في عهد ابن عبدالبر مرويا بطرق صحيحة كيف لا يكون مرويا عند من بعده ولو بطريق واحد صحيح ؟! وهذا يعين ما قلنا من سقوط لفظ ( غير ) في الكتاب ، ولم يتمكن الذهبي بعد بذل جهده من ذكر سند واحد غير منقطع في القصة .. )) اهـ .
وهذا الاحتمال الذي ذكره الأستاذ الكوثري وارد ومعقول .
ثالثا ـ ورأيت الحافظ التاج السبكي قال في طبقات الشافعية 1/139 :
(( قلت : ولم يخرج هذا الأثر في شيء من الكتب الستة )) ثم قال : (( واعلم أن الأثر عن عبدالله بن رواحة روي على وجه آخر وبشعر آخر فرواه الدارقطني من حديث زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة قال كان عبدالله بن رواحة … كذا رواه الدراقطني مرسلا ورواه من وجه عن زمعة عن عكرمة عن ابن عباس متصلا ، وزمعة وشيخه سلمة بن وهرام متكلم فيهما )) اهـ كلام الإمام السبكي وهو صحيح ، وهو يشير إلى ضعف هذا الطريق ، لكنه لم يستوف ذكر الطرق فيكون كلامه منصبا على طريق الدارقطني فقط وهو طريق عكرمة .
رابعا ـ والمفهوم من صنيع الألباني في مختصر العلو أنه لا يصحح هذه القصة لأنه حذفها من المختصر وهي موجودة في الأصل للذهبي ، وهو لا يفعل ذلك إلا إذا رأى عدم صحتها ، لكن لا أدري ما سبب التضعيف عنده ؟ أهو راجع إلى المتن أم السند ؟؟ أم غليهما معا ؟؟ .
خامسا ـ ورأيت محقق كتاب العلو للمقدسي طبعة الدار ( السلفية ) ص99 بعد أن ذكر طريقين فقط ، وهما طريق الماجشون وقدامة قال : (( والطريقان لا يقوي أحدهما الآخر لشدة ضعفهما .. )) اهـ والمفهوم من كلامه أنه لم يقف على باقي الطرق !! ورأيته قال في تعليقه على ( الرد على الجهمية ) ص47 بعد أن ذكر الطريقين : (( فطرقه ضعيفة ضعفا لا يقوي بعضها بعضا .. )) اهـ فالظاهر أنه لم يتتبع الطرق كلها ، كما






















